ملا محمد مهدي النراقي

218

جامع السعادات

الحقة - وكان الغرض منه الإرشاد والهداية ، ولم يكن الخصم لدودا عنودا ، فهو الجدال بالأحسن ، وليس مذموما ، بل ممدوح معدود من الثبات في الإيمان الذي هو من نتائج قوة المعرفة وكبر النفس ، قال الله سبحانه : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " ( 10 ) . وإن لم يكن بالحق ، فهو مذموم اقتضته العصبية أو حب الغلبة واو الطمع المالي ، فيكون من رذائل القوة الغضبية أو الشهوية ، وربما أورث شكوكا وشبهات تضعف العقيدة الحقة ، ولذا نهى الله سبحانه عنه وذم عليه ، فقال : " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " ( 11 ) . وقال : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ( 12 ) . والخصومة أيضا إن كانت بحق ، أي كانت مما يتوقف عليه استيفاء مال أو حق ثابت ، فهي ممدوحة معدودة من فضائل القوة الشهوية ، وإن كانت بباطل ، أي تعلقت بما يدعيه كذبا أو بلا علم ويقين ، فهي مذمومة معدودة من رذائلها . فالخصومة المذمومة تتناول المخاصمة فيما يعلم قطعا عدم استحقاقه ، وفيما لا علم له بالاستحقاق ، كخصومة وكيل القاضي ، فإنه قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب ، يتوكل في الخصومة من أي جانب كان ، ويخاصم من غير علم وإيقان ، فمثله خباط العثرات وركاب الشبهات ، يضر بالمسلمين بلا غرض ، ويتحمل أوزار الغير بلا عوض ، فهو أخسر الناس أعمالا وأعظمهم في الآخرة أوزارا ونكالا . وتتناول أيضا مخاصمة من يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة ، بل يظهر اللدد والعناد في الخصومة قصدا للتسلط والإيذاء ، ومن يمزج بخصومته كلمة مؤذية لا يحتاج إليها في إظهار الحق وبيان الحجة ، ومن يحمله على الخصومة محض العناد بقهر الخصم وكسره مع استحقاره لذلك القدر من المال ، وربما صرح بأن قصدي العناد والغلبة عليه وكسر عرضه ، وإذا أخذت منه هذا المال رميته ، ولا

--> ( 10 ) العنكبوت ، الآية : 46 . ( 11 ) الحج ، الآية : 8 . ( 12 ) الأنعام ، الآية : 68 .